أحمد بن محمد ابن عربشاه
66
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وأظهر التحرق لما رآه من الألم ، وأخذ يلومه على صحابة بني آدم والمصابرة على ما يلجئه إلى الندم من إيذائهم وجفائهم وتحمل بلائهم وعدم وفائهم ، وقال له : ختام هذا الذل ، والتطوق بهذا الغل « 1 » ، وتحمل أنواع الهوان من البعض والكل ، وإلام هذا العطش والجوع ، وعدم القرار والهجوع ، وأرض الله واسعة الفضاء شاسعة الأرجاء ، وحتام تذوب من اللغوب « 2 » تحت هذا الحمل الثقيل ، والجور العريض الطويل . فقال : لو وجدت ملجأ ، أو مسرحا ، أو مدخلا ، أو مطرحا ، أو مغارات ، أو منجح ؛ لوليت إليه وأنا أجمح ، وتخلصت من هذا البلاء العظيم والشقاء الجسيم ، ولو رأيت أحدا شفيقا ، أو مصافيا صديقا يهدى إلى الخلاص طريقا ، لاستغنيت بآرائه ولاستشفيت لدائى بدوائه . قال ابن آوى : يا أكمه « 3 » إني أعرف بالقرب أجمة « 4 » ، أزهارها فائحة ، وأنوارها لائحة ، وأنهارها بالصفاء غادية ورائحة ، غياضها نضرة ، ورياضها خضرة ، ورباها « 5 » حصينة ، وذراها أمينة ، وأنا ساكن فيها آمن في ضواحيها ونواحيها ، فإن اقتضى رأيك ذهبت بك إليها لتقف عليها ، فإن أعجبتك سكنتها ووقيت النوائب وأمنتها ، فإنها بمعزل عن السباع الجواسر ، والضباع الكواسر « 6 » ، والجوارح النواسر ، لا يطرقها إنسان ولا يدخلها حيوان ، وسترى من خير جار وحسن الجوار ، وستحمد عاقبة مقالى وما تراه من أفعالى ، وتخلص من جفاء بني آدم وتبقى في نعيم منعم ، وتعيش معنا في عيش رغيد وعمر هنيئ سعيد ، وتحصل المؤانسة ويمن المعاشرة والمجالسة . وأما أنا فلا أجد رفيقا مثلك ، وليس لي إلى صديق غيرك مسلك .
--> ( 1 ) القيد . ( 2 ) الإعياء . ( 3 ) الأكمه : المولود أعمى ، وتكمه : أي ذهب لا يدرى أين يتوجه . ( 4 ) الشجر الكثيف الملتف . ( 5 ) الربى ، مفردها ربوة : وهو ما ارتفع منها . ( 6 ) الكواسر ، مفردها كاسرة ، وهي غالبا ما تطلق على الطيور الجارحة ، أشد الافتراس .